أُلقِيت هذه المحاضرة ضمن جلسات برنامج «الحرف والنص والحضارة» في مركز أبحاث الفنون الإسلامية وتطبيقاتها (إسمار / ISMAR) التابع لجامعة السلطان محمد الفاتح الوقفية بإسطنبول، بإدارة الحوار من الدكتور أحمد لمين الزائدي، واستضافة الدكتور محمد حسن (الباحث الأكاديمي والخبير في المخطوطات والخط العربي). وفيما يلي وثيقةٌ مُنظَّمة لمحاور المحاضرة، تُتيح قراءتها نصًّا إلى جانب مشاهدتها كاملةً في الفيديو أعلاه.
تعريفٌ بالمحاضر
استُهلّت الجلسة بتهنئةٍ بمناسبة عيد الأضحى المبارك، أعقبها استعراضٌ موسّع لسيرة المحاضر الدكتور محمد حسن (من مواليد مصر عام 1983)، الجامع بين الممارسة الفنية للخط والبحث الأكاديمي المتعمّق:
- المؤهلات العلمية: درجة الماجستير في «الكتابة والكُتّاب في مصر في العصر الفاطمي» (بتقدير ممتاز)، ودرجة الدكتوراه في «الكتابات الديوانية في عصر سلاطين المماليك» (بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى).
- المشاركات العلمية والدولية: شارك في ملتقياتٍ دولية للفنون الإسلامية والخط العربي، منها ملتقى الكويت (2010) وملتقى الشارقة (بمحاضرةٍ عن الخط العربي في أسرة محمد علي)، وترأّس عدداً من اللجان العلمية لملتقى القاهرة الدولي للخط العربي من الدورة الثالثة حتى العاشرة.
- المؤلفات والإصدارات: «ديوان الخط العربي في مصر»، و«سيرة العميد الخطاط سيد إبراهيم»، و«روائع المدرسة المصرية في الخط العربي»، و«مدرسة تحسين الخطوط العربية»، وكتابٌ عن نقيب الخطاطين المصريين خضير البورسعيدي.
- المهام الأكاديمية والاستشارية: تدريس مادة «المخطوطات العربية والإسلامية» بمعهد البحوث والدراسات العربية (منذ 2012) ومعهد المخطوطات العربية (منذ 2013)، ومهامّ استشارية بمركز الأمير محمد بن سلمان للخط العربي (منذ 2022)، ومستشارٌ فني بمؤسسة بينالي الدرعية (بينالي الفنون الإسلامية) في دورته الأولى عام 2023.
- الإشراف الأكاديمي: أشرف على رسائل علمية منها «الخط المشرقي: دراسة وصفية تحليلية في ضوء تطوّر الخط العربي» (2024)، و«أنماط خطوط المخطوطات المغربية الليبية: دراسة تحليلية مقارنة» (2022)، و«التزوير والامتحان في المخطوطات العربية» (2022).
- الإجازات الفنية: حاصلٌ على الإجازة التقليدية بالتميّز والسند المصري في الخطوط العربية وتاريخها من شيخ خطاطي مصر خضير البورسعيدي (عام 2024).
الإطار العام للمحاضرة ومنهجية الطرح
أوضح الدكتور محمد حسن أن دراسة «المصاحف الأموية» تتّسم بالتعقيد نظراً لغزارة المادة العلمية وتنوّعها وتشتّتها، وقسّم هيكل المحاضرة إلى ثلاثة محاور أساسية:
- استعراض الدراسات السابقة: لفهم التسلسل الذهني لتطوّر علم الباليوغرافيا العربية والخلفيات الفكرية للمستشرقين.
- واقع الدراسات المعاصرة للمصاحف الأموية: للوقوف على طبيعة المادة وتطوّرها والمرتكزات البحثية الحالية.
- آفاق التطوّر المتوقّعة: في حقل الدراسات القرآنية المبكرة وتقاطع العلوم.
المحور الأول: التحقيب الزمني وتطوّر الدراسات الاستشراقية
قسّم المحاضر تاريخ الاهتمام بالمصاحف المبكرة إلى محطاتٍ ومراحل محورية:
مرحلة الرحّالة والدبلوماسيين
شهدت البدايات الأولى للاهتمام باقتناء المخطوطات من الشرق. ومن أبرز أعلامها المستكشف كارستن نيبور (Carsten Niebuhr) الذي جمع خلال رحلاته في شبه الجزيرة العربية قطعاً خطية، وحاول محاكاة الكتابة الكوفية القديمة كما شاهدها، ووثّق شواهد القبور والكتابات على العمارة (الجنائزية والمدنية).
مرحلة التأسيس الأكاديمي (أوائل القرن العشرين)
برز فيها المستشرق ألفونس منجانا (Alphonse Mingana) الذي جمع مجموعةً ضخمة من مخطوطات الشرق، ونشر عام 1914 دراسةً في جامعة كامبريدج بعنوان «قرآن ما قبل العثماني» (Pre-Uthmanic Quran). ولم تكن أهميتها في جزمها، بل في كونها «فرضيةً بحثية» أسّست للمنهجية الحديثة عبر: استخدام الصور المستنسخة (Facsimile)، ورصد الفروق النصية اللغوية، ومحاولات القراءة الكوديكولوجية (تحليل الرقوق والأحبار).
مرحلة تأسيس المقارنات (أدولف جرومان)
في عام 1958 نشر العالِم النمساوي الفذّ أدولف جرومان (Adolf Grohmann) — صاحب الموسوعة المكوّنة من ستة مجلدات في البرديات — مقالةً مفصلية بعنوان «مشكلة تأريخ المصاحف المبكرة» (The Problem of Dating Early Qurʼans):
- وضعت إطاراً منهجياً مقارناً بين النصوص القرآنية على الرقوق، وبين النقوش والوثائق الإدارية البردية.
- أشار جرومان إلى أن ظهور علامات نهايات الآيات والأعشار يُؤرّخ لنهاية الدولة الإسلامية الأولى وبداية العصر الأموي.
- لفت الانتباه إلى مقطعٍ قرآني طويل كُتب على ورق البردي بخطٍّ حجازي مبكر تتّسم حروفه بالميل.
- ناقش الآراء الاستشراقية حول «البسملة» بناءً على ما ورد في كتاب «الفهرست» للنديم بحوارٍ أكاديمي راقٍ.
نبّه المحاضر إلى ضرورة إعادة قراءة مقالة جرومان اليوم؛ لأن الصور التي اعتمد عليها كانت رديئة (بالأبيض والأسود)، بينما تتاح اليوم تقنيات تصويرٍ عالية الجودة تكشف تفاصيل لم تكن مرئية (مستشهداً بجهود الدكتورة أسماء هلالي في قراءة طروس صنعاء عبر الصور الظلية للرَّق).
مرحلة الفهرسة والتحقيب الحديث (ديروش ومن تلاه)
في عام 1983 وضع فرانسوا ديروش (François Déroche) الكتالوج الخاص به، محاولاً وضع تصوّرٍ لخطوط الفترة الحجازية المبكرة مستخدماً منهجية طرح «المشكلات» (Problems) في التوصيف والتأريخ. وأعقب ذلك دخول الباحثين المسلمين، مثل الإيراني المهدي في كتابه «سطر المستور»، وديفيد جيمس في أبحاثه عن المصاحف المملوكية.
المحور الثاني: المصاحف الأموية — المفهوم والخصائص والعلوم المرتبطة
التعريف التاريخي: هي المصاحف التي كُتبت أو نُسخت خلال العصر الأموي (بين سنتَي 41هـ و132هـ)، وتُمثّل «المشروع الثالث» للمصحف الشريف (باستعارة مصطلح الدكتور عمر حمدان). فبعد مشروع الجمع الأول (أبو بكر الصديق) والثاني (عثمان بن عفان)، جاء المشروع الأموي الثالث بقيادة الحجاج بن يوسف الثقفي في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان المعروف برؤيته الحضارية. ولم يهتمّ هذا المشروع بالنص فحسب، بل بـ«الإخراج، وتنظيم الصفحة، وتيسير القراءة، وتطوير الضبط القرائي»، وشهدت هذه الفترة ظهور أوائل الكتب في علم القراءات وعلم عدّ الآي.
طبيعة المصاحف الأموية: غالبيتها كُتبت على الرَّق بـ«الخط الحجازي» بمراحله، ثم بدأت الأنماط «الكوفية المبكرة» في الظهور أواخر العصر الأموي. وهي تتنوّع بين مجموعاتٍ شبه مكتملة (وهي نادرة)، وقطعٍ وأوراقٍ متناثرة مشتّتة في مكتبات العالم ومتاحفه.
العلوم الأساسية لدراستها (التقاطع المعرفي):
- الباليوغرافيا (Paleography): علم تطوّر الخط، وتحديد فترته الزمنية، وتكوين السطر، وتطوّر الحروف من الخط المبسوط إلى الحجازي وغيره؛ ولا يعتمد على ثقافة الباحث فقط، بل على مرجعياتٍ ومصادر.
- الكوديكولوجيا (Codicology): علم تحليل الحوامل المادية (الأوراق، والرقوق، والأحبار، وخوارج النص).
- الفيلولوجيا (Philology / فقه اللغة): المرتبطة بالمصاحف تعني علم الرسم العثماني وعدّ الآي والتعشير؛ أما في الوثائق البردية فتعني دراسة المكاييل والموازين وأسماء البلدان وتطوّر الحيز الزراعي. وقد أُحيل هنا إلى مقالةٍ للباحث المغربي الدكتور أحمد السعيدي في مجلة الفيصل حول تحوّل هذا المفهوم إلى تحقيق التراث.
- تاريخ الفن.
- التحليل الكربوني.
إشكالية «الخط الحجازي»: أكّد المحاضر أن مصطلح «الخط الحجازي (المكي والمدني)» مصطلحٌ استشراقي تعميمي، وأن الأهم من المسمّى رصدُ ثلاث سماتٍ جوهرية برزت في المصاحف الأموية:
- ظهور الأداء الشخصي: برزت مساحةٌ للاجتهاد الشخصي للناسخ/الخطاط (أثبت جرومان ذلك بمقارنة المصحف الباريسي ببردية إهناسيا ونقش زهير).
- ظهور الأساليب المحلية: تنوّع طرق الكَتَبة وفقاً لأمصارهم.
- مدنية الخط: لم يكن الخط الحجازي أصلاً «خطاً دينياً» مقتصراً على المصاحف، بل كان خطاً مدنياً تُدوَّن به كافة الوسائط والوثائق.
المحور الثالث: واقع الدراسات المعاصرة للمصاحف الأموية
استعرض المحاضر خريطةً لأهم الباحثين المعاصرين الذين تناولوا مفهوم «القطعة الأموية» (Umayyad Fragment) صراحةً:
- أ.د. غانم قدوري الحمد: صاحب السبق والإسهام الكبير في دراسات رسم المصحف (منذ رسالته للدكتوراه في السبعينيات)، ويتميّز بربط المصادر التراثية بالنقوش القرآنية المكتشفة في السعودية، وتقديم مفاهيم الرسم بما يتواءم مع اللحظة الآنية.
- أ.د. عمر حمدان (جامعة توبنغن بألمانيا): نشر مقالاً تأسيسياً بعنوان «مشروع المصاحف الثاني في العصر الأموي»؛ فأعاد قراءة تاريخ المصحف، وأبرز دور الحجاج بن يوسف، وربط القراءة بالرسم والضبط (نقط الإعجام)، ووظّف المصادر التراثية العربية بمنهجٍ نقدي، وأبرز العلاقة بين المركز (العاصمة) والأمصار (البصرة والكوفة). كما أطلق سلسلة «من المصاحف العُتُق» على صفحته الأكاديمية، ودرس فيها «رَقّ تشستر بيتي» بأيرلندا، محدّداً أهداف المشروع الأموي: إعجام الحروف المتشابهة (الباء والتاء والجيم…)، وضبط عدد الكلمات، وفصل الآيات (تخميس وتعشير)، وتجزئة القرآن.
- البروفيسور ياسين دوتون (Yasin Dutton): له دراسةٌ مهمة عام 2003 تناول فيها قطعةً قرآنية أموية بيعت مؤخراً في صالة مزادات «كريستيز» بمبلغٍ ضخم (381 ألف جنيه إسترليني، رغم تقديرها بـ200–300 ألف). واعتمد في تأريخها على شكل الصفحة (الطولي/العمودي)، وعلامات عدّ الآي، وما طرأ على الخط الحجازي من «تصلّب» (استقامة الحرف وفقدان ميله). وبيّن أن القطعة تنتمي لمجموعةٍ نُقلت من جامع حمص الكبير إلى متحف الآثار التركية والإسلامية (TIEM) بإسطنبول، وأجزاءٌ منها في أمريكا ومكتبة بغداد.
- أ.د. بشير الحميري: قدّم دراسةً وصفية تحليلية رصينة ونموذجية لمصحف جامعة توبنغن.
- فرانسوا ديروش (François Déroche): صاحب الكتاب المرجعي «مصاحف الأمويين» (ترجمه للعربية الدكتور حسام صبري)، ودرس أربع مجموعات (المصحف الباريسي، وصنعاء، وجامع عمرو بن العاص، وطروس القيروان):
- المصحف الباريسي (Parisino-petropolitanus): مصحفٌ مُجمَّع من أربعة أماكن (المكتبة الوطنية الفرنسية، والفاتيكان، والمكتبة الروسية، ومجموعة ناصر خليلي بلندن)؛ نقل المستشرق جان جوزيف مارسِل أجزاءً منه خلال حملة نابليون (1798)، وخرجت أخرى عام 1822 إلى روسيا. ويُظهر خطاً حجازياً كُتب بعدة أيادٍ مختلفة، مما يدلّ على غياب المعيار الصارم آنذاك (حرية الناسخ)، ويتميّز بظهور الدوائر الزخرفية النباتية الفاصلة بين السور (المنمنمات) كسمةٍ أموية مبكرة.
- مصحف تشستر بيتي: اعتبره ديروش نقطة التحوّل نحو «المنسخ الإمبراطوري الحكومي»، حيث اختفت حرية الناسخ وظهر التزامٌ صارم بقواعد محددة ورؤيةٍ رسمية أموية، مع ظهورٍ واضح لنقط الإعراب والإعجام.
- د. أسماء هلالي: أُشير إلى كتابها حول مصاحف صنعاء، مع التنبيه إلى أهمية التوفيق بين الدراسات الباليوغرافية والرؤية الجمالية الفنية للمخطوط.
- الباحثة إلينور سيلار (Éléonore Cellard): صاحبة مصطلح «مصاحف عَمْرو» (Codex Amrensis)؛ أصدرت مجلدَين (الأول 2017 والثاني حديثاً) لدراسة المصاحف المكتشفة بجامع عمرو بن العاص بالفسطاط، وشملت منهجيتها تاريخ المخطوط، والتحليل الكوديكولوجي، والخطوط، والتهجئة، والتشكيل، ومراقبة تطوّر شكل حرف «اللام ألف». (نبّه الدكتور حسن هنا إلى ضرورة تصدّي الباحثين المسلمين للشبهات الاستشراقية التي تُثار حول مصاحف الصحابة.)
- التجربة البحثية للدكتور محمد حسن: سرد قصة اكتشافه قطعةً قرآنية أموية صغيرة جداً (نحو 6×14 سم) في «دار الفنون الإسلامية» (متحف عائلة الصيرفي) بجدة، وأجرى عملية «حوارٍ ومضاهاة» بينها وبين كتاب ديروش «التقاليد العباسية»، وقدّم بحثاً حولها في مؤتمرٍ بمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة، موضّحاً كيف انزوى الخط الأموي لأسبابٍ سياسية ليحلّ محلّه الخط الكوفي العباسي.
التوصيات والنتائج
في ختام محاضرته حدّد الدكتور محمد حسن توصياتٍ محورية:
- استمرارية البحث: ملفّ المصاحف الأموية لم يُغلق؛ فوجود الرقوق يتطلّب دراسةً موازية لأوراق البردي والمقارنة بينهما، ونحتاج لإعادة الفهرسة والقراءة بناءً على دقة التصوير الحديثة.
- الترجمة والإتاحة: ضرورة ترجمة المصادر الأوروبية (مثل كتاب Corrections in Early Qurʼānic Manuscripts) إلى العربية وإتاحتها للباحثين بيُسر، لا أن تظلّ حبيسة الشراء والشحن.
- الإشادة بالمؤسسات: أثنى على إسهامات مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي بلندن (ومؤتمرها حول القرآن في ثلاثة مجلدات) ومركز أرسيكا.
- الربط التحليلي المتقاطع: حتمية الربط بين المخطوطات والطروس القرآنية من جهة، والدراسات الحضارية الخاصة بالنقوش الصخرية (نقوش مكة والجزيرة العربية) من جهةٍ أخرى، مُشيداً بجهود الأكاديميين (الدكتور سعد الراشد، والدكتور الزيلعي، والدكتور مشلح المريخي).
- دور «الخطاط المثقف»: ألّا يقتصر الباحث والخطاط على إنتاج اللوحات الفنية، بل يوظّف خبراته لإنتاج مادةٍ أكاديمية علمية بالاستفادة من المراكز المتاحة (كمركز الأمير محمد بن سلمان للخط العربي)، مستذكراً تجربة الخطاط يوسف أحمد.
جلسة المداخلات والنقاش
مداخلة الدكتور أحمد لمين الزائدي (مدير اللقاء): لاحظ في طروس صنعاء وأوراق دمشق (قبة الخزنة) ومصحف برمنغهام أن نقط الإعجام الأموية تظهر على شكل «شرطةٍ صغيرة» (تشبه الفتحة الحديثة) كُتبت بنفس قلم الكتابة، لا دائرةً كنقط الإعراب عند أبي الأسود الدؤلي؛ وتساءل عن الفارق والإسهام الأموي الفعلي. كما لاحظ في أوراق قبة الخزنة (بمتحف TIEM بإسطنبول ومتحف تشامليجا) أن الناسخ يضع حرف «الهاء» المفرد علامةً على خمس آيات (موافقةً لحساب الجُمَّل: أبجد هوز)، متسائلاً هل هذه فروقٌ فردية؟
إجابة الدكتور محمد حسن: اتّفق على أن المصاحف الأموية مساحةٌ ضخمة للاجتهاد الشخصي للنسّاخ، مما يفسّر التباين في علامات الإعراب وتخميس الآيات، مؤكداً أننا لم نصل بعد إلى رؤيةٍ جازمة يقينية لهذه العلامات؛ لأن الدراسات المسحية الحالية غير شاملة وتنقصها الموسوعية. وشدّد على ضرورة تعاون عالِم الآثار مع الخطاط الأكاديمي المثقف لفهم هذا التطوّر، مشيراً إلى أن جرومان أفرد دراساتٍ ضخمة لتتبّع تطوّر حرفٍ واحد فقط (كالألف أو الباء).
نقاشٌ حول إشكالية «الخط الكوفي المصحفي»: انتقد الدكتور الزائدي محاولات بعض الخطاطين المعاصرين «تقعيد» الخطوط الكوفية المبكرة وافتراض أنها تُكتب بالمسطرة الهندسية الصارمة، واختزالها في قالبٍ يابس يتجاهل حرية الناسخ وانسيابية التراكيب (كاستطالة النون حسب المساحة المتاحة في السطر لتفادي التقاطع). وأيّد الدكتور محمد حسن هذا الطرح بشدة، واصفاً مصطلح «الخط الكوفي المصحفي» كنمطٍ هندسي واحد بأنه «وجهة نظرٍ خاطئة لا يُعوَّل عليها»، وأن المرجعية يجب أن تكون للأثريين والمفهرسين، داعياً إلى «الخطاط المثقف» الذي يمتلك أدوات المضاهاة لتقديم رؤيةٍ علمية تتجاوز التقعيد الفني الجامد.
مداخلة باحثة تركية (عبر الترجمة): هل خضعت هذه المصاحف لدراسة «شكل وتصميم الصفحة» (Layout)؟ وهل يُعقل أن يكون التطابق الشديد في أشكال الحروف ناتجاً عن تقنية طباعة/أختام آنذاك؟ أجاب المحاضر: دراسات تصميم الصفحة موجودة لكنها مجتزأة لا مسحية، وأوضح أن التحوّل إلى «القطع الطولي» (العمودي) بأسطرٍ تتراوح بين 20 و30 سطراً واستقامة الحرف وتصلّبه هو ما مثّل «نضج المصحف الأموي والمنسخ الإمبراطوري»، وبمجرد انتقال السلطة للعباسيين تغيّر التصميم إلى «القطع العرضي» (الأفقي). واستبعد فرضية الطباعة، مرجعاً التطابق إلى الالتزام الصارم بمعايير «المنسخ الإمبراطوري الرسمي»، وهو ما يستوجب دراسةً تاريخية لطرق تعليم النسّاخ وتدريبهم في العصر الأموي.
مداخلة الأستاذ عبد الله العنزي: هل اقتصرت قواعد «المنسخ الإمبراطوري الأموي» على كتابة المصاحف، أم انسحبت على سائر المراسلات الإدارية للدولة؟ أجاب المحاضر: لدقة الإجابة يجب مقارنة المصاحف بالبرديات الإدارية الأموية (كدراسات جيفري خان لوثائق خراسان، ودراسات الدكتور سعيد مغاوري للبرديات العربية)؛ وبما أن الدولة أوجدت معياراً رسمياً للمصحف، فمن المنطقي وجود معيارٍ بروتوكولي صارم لوثائقها الرسمية بين الملوك والقادة، مع التفريق بينها وبين الخطوط الدارجة في المعاملات الشعبية. وأضاف الدكتور الزائدي أن هذه الرؤية الموحّدة صارت مؤسسية أكثر في العصر العباسي عبر خطاطي دواوين الإنشاء، وتحديداً بظهور «الخط الموزون» ثم «الخط المنسوب».
اختُتم اللقاء بتوجيه الشكر للدكتور محمد حسن على هذا التطواف العلمي العميق، ولجامعة السلطان محمد الفاتح ومركز إسمار، مع الإعلان عن جمع الأبحاث والمقالات وصور المخطوطات المُشار إليها وإتاحتها للباحثين والحضور بشكلٍ مفتوح.