شارك الدكتور محمد حسن في هذه الندوة ضمن معرض «رحلة الكتابة والخط: دروب الروح» (النسخة الثانية) بالرياض، بإدارة د. هيثم نوار (أستاذ التصميم المشارك بالجامعة الأمريكية بالقاهرة)، وبمشاركة د. لطفي عبد الجواد (رئيس الأبحاث بالمعهد الوطني للتراث بتونس)، وم. عبد الرحمن الشاهد (خطّاط وفنان تشكيلي ومعماري). وفيما يلي وثيقةٌ مُنظَّمة لمحاور الندوة، تُتيح قراءتها نصًّا إلى جانب مشاهدتها كاملةً في الفيديو أعلاه.
مقدمة تمهيدية
تأتي هذه الندوة احتفاءً بالخط العربي بوصفه أحد أهم بصمات الحضارة العربية والإسلامية، وتزامناً مع تسجيل «مهارات وفنون الخط العربي» على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية (اليونسكو) في ديسمبر 2021. وتهدف الندوة إلى تتبّع مسار الخط العربي منذ نشأته كأداةٍ توثيقية، مروراً بتطوره الجمالي والروحي في المخطوطات والعمائر، وصولاً إلى تجلياته في الفنون المعاصرة ومستقبله في ظل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
المحور الأول: الجذور الأولى ونشأة الكتابة العربية (د. لطفي عبد الجواد)
استعرض الدكتور لطفي الإشكاليات التاريخية والأثرية حول نشأة الحرف العربي وتطوره في القرون الثلاثة الأولى للإسلام:
1. دلالة مصطلح «عربي»
يرى بعض علماء اللغة أن وصف القرآن بـ«عربي» لا يقتصر على الانتماء العرقي (العروبة)، بل يعني لغوياً «التمام، والكمال، والخلو من النقص والعيب».
2. نظريات نشأة الخط العربي
- استبعاد الخط المُسند (اليمني): يجمع العلماء المعاصرون على رفض النظرية الإخبارية القديمة (لابن خلدون وغيره) بأن الخط العربي انحدر من «المُسند» أو «الحميري»، نظراً للاختلاف الصارخ في شكل الحروف وعدم اتصالها.
- الأصل السرياني أم النبطي؟
- النظرية السريانية: تعتمد على اتصال الحروف وانتظامها على سطرٍ مستقيم.
- النظرية النبطية (وهي الراجحة أثرياً): تدعمها النقوش المكتشفة (مثل نقش أم الجمال، ونقش النمارة المحفوظ باللوفر)، والتي تعكس لغةً عربية متسلسلة وتطوراً سيميائياً واضحاً للحرف النبطي في مراحله الأخيرة ليصبح شبيهاً بالعربي.
3. تطوّر الخط الكوفي المبكر (القرون الثلاثة الأولى)
تطوّرت النقوش الإسلامية المبكرة بمتواليةٍ زمنية سريعة تعكس وعي الحضارة الإسلامية، وانقسمت إلى مراحل:
- الكتابة العتيقة التوثيقية: خاليةٌ من الزخرفة، هدفها نقل المعلومة (مثل نقش سلمة 23هـ، ونقش زهير 24هـ).
- الكتابة المتقنة: تميّزت بالاستقامة والدقة (الخط الأموي الإمبراطوري).
- الكتابة ذات الزخارف الطرفية: ابتكر الفنان حلولاً لملء الفراغات بين الحروف عبر تمديد نهايات الأحرف وتوريقها (سعف النخيل).
- الكتابة البارزة (المنحوتة): شكّلت «ثورةً» فنية؛ إذ إن النحت حول الحرف وإبرازه (عكس الحفر الغائر) أعطى الفنان حريةً هائلة في تشكيل الزخارف النباتية المعقدة حول النص وتلافي أخطاء الحفر.
المحور الثاني: المدارس الخطية والمخطوطات التأسيسية (د. محمد حسن)
انتقل الحديث إلى كيفية تصنيف المدارس الخطية وفهم مساراتها من خلال المخطوطات والمصاحف:
1. بناء «المدرسة الخطية»
لا يمكن إطلاق مصطلح «مدرسة» إلا بتوفّر عناصر مجتمعة: (النقوش، وخطوط المصاحف، والوثائق). وتُصنَّف المدارس جغرافياً إلى (المدرسة الكوفية، والمصرية، والشامية، والفارسية، والمغربية، والعثمانية، والأفريقية).
ملاحظة: مصطلح «الخط الحجازي» هو مصطلح استشراقي، والتوجه الأكاديمي الحديث يميل إلى استبداله بـ«الخط المكي» و«الخط المدني».
2. المصاحف العثمانية المبكرة وتطورها
بقي من المصاحف المنسوبة لعهد الخليفة عثمان بن عفان ست نسخ موزّعة عالمياً (القاهرة، وإسطنبول، وطشقند، وسانت بطرسبرغ). وتُظهر مقارنة هذه المصاحف تطوراً واضحاً في:
- بنية الحرف والمسافات البينية.
- غياب النقط والإعجام (التعرية).
- ظهور الزخارف الفاصلة بين الآيات (المستلهمة بمرونةٍ من الفنون السابقة للإسلام كنوعٍ من الانفتاح الحضاري).
3. أوراق البردي والوثائق النبوية
- لعبت البرديات (في القرن الأول الهجري) دوراً في إثبات استيعاب الحضارة الإسلامية للآخر، حيث كُتب بعضها «بثنائيةٍ لغوية» (عربية/يونانية أو عربية/قبطية).
- شكّلت الوثائق والرسائل النبوية حقلاً بحثياً مستقلاً (كما في دراسات محمد حميد الله)، لفهم تطوّر الكتابة الدبلوماسية المبكرة.
المحور الثالث: الممارسات الخطية من التراث إلى المعاصرة (م. عبد الرحمن الشاهد)
قدّم المهندس عبد الرحمن رؤيةً استعراضية مكثّفة (لـ1400 سنة) من زاوية المُمارس والفنان:
1. تطوّر الخامات والأدوات
- الخامات: من الصخور والأخشاب، إلى الجلود (الرَّق)، ثم الثورة الكبرى بمعرفة «الورق»، وصولاً إلى الخامات المعاصرة (الحديد، والبلاستيك، والنيون، والزجاج).
- الأقلام: الانتقال من القلم ذي القطع المستوي (الرأسي) إلى القلم ذي القطع المائل الذي أحدث ثورةً في جماليات الحرف.
2. محطات مفصلية في تشريح الحرف (الخط المنسوب)
- القرون الثلاثة الأولى (الخط الموزون): كان يُقاس بقلم «الطومار» (وهو بسمك 24 شعرة من ذيل الحصان)، وتفرّعت منه الخطوط (الثلث، والنصف).
- القرن الرابع الهجري (ابن مقلة): هندس الحروف ووضع «الخط المنسوب» مستخدماً «الدائرة» كمقياس (مستلهمة من النسب الفلكية ونسب جسم الإنسان).
- ابن البواب: ركّز على تجويد ستة عشر قلماً أساسياً.
- القرن السابع الهجري (ياقوت المستعصمي): ابتكر قياس الحرف بـ**«النقطة»**، وزاد في ميل قطّة القلم، واختزل الخطوط إلى «الأقلام الستة» (الثلث، والنسخ، والمحقق، والريحان، والتواقيع، والرقاع).
3. الفن المعاصر والمستقبل (الذكاء الاصطناعي)
- التقنيات (كالطباعة والحاسب الآلي) لم تسحب البساط من الخطاط، بل ساعدته على الانتشار (الطباعة نشرت المصاحف، والحاسب أوجد فن التيبوغرافي).
- الفن المفاهيمي التركيبي: استخدام الخط في العمائر والمجسمات الحديثة لخلق بهجةٍ أو تساؤل.
- الذكاء الاصطناعي (AI): أداةٌ عظيمة للبحث العلمي (مثل استخدامه لتوثيق ورسم شجرات لخطّاطي مكة عبر التاريخ، وتوليد صورٍ تخيلية لسياقاتهم التاريخية).
المحور الرابع: قضايا ونقاشات
- إشكالية التفكك الأكاديمي (جزرٌ منعزلة): أثار مدير الندوة غياب التواصل بين دارسي المخطوطات، وعلماء الآثار، والخطاطين، والمصممين. والحل المقترح: عقد طاولات حوارٍ مستديرة تجمع «كبار المتخصصين» من كافة المجالات لتوحيد المصطلحات (مثل الاختلاف حول تعريف «الخط الكوفي»)، ونشر قواعد بيانات رقمية موحّدة للباحثين الشباب.
- التعامل مع الكشوفات الحديثة (مصحف برمنغهام نموذجاً): تساءل أحد الحضور عن غياب الكوادر العربية عن قيادة الأبحاث (مثل فحص الكربون 14) للمصاحف المبكرة. والرد: يعود ذلك لغياب الأقسام الأكاديمية المتخصصة في «علم المخطوطات» (Codicology) و«علم الخطاطة» (Paleography) في جامعات الشرق الأوسط، مما يترك الساحة لعلماء «المصريات» أو غيرهم من المستشرقين.
- صراع «المحافظين» و«المجدّدين»: أكّد م. عبد الرحمن أن الفن يحتاج إلى الجناحين؛ حُرّاسٌ يحافظون على الكلاسيكيات، ومبتكرون يغوصون في المعاصرة. لكن يُشترط على المجدّد أن يكون دارساً جيداً للقواعد قبل أن يكسرها، وإلا تحوّل التجديد إلى «تشويهٍ بصري».
- التكنولوجيا كحليفٍ لا كعدو: في مداخلةٍ ختامية، شُبّه الخوف الحالي من الذكاء الاصطناعي بخوف الرسامين من اختراع «الكاميرا» في القرن التاسع عشر؛ فالكاميرا لم تقتل الفن بل خلقت المدرسة الانطباعية، وكذلك التقنية اليوم يجب أن تُستغل كأداةٍ تحفّز طرقاً جديدة في التفكير والتخيّل البصري.
خاتمة
أكّدت الندوة أن الخط العربي لم يكن يوماً فناً جامداً، بل هو كائنٌ حي يتنفّس ويتطوّر بتطوّر الحضارة؛ بدأ توثيقياً في النقوش، ثم هندسياً وروحياً في المخطوطات، وصولاً إلى كونه مكوناً أساسياً في الفنون البصرية المعمارية والرقمية المعاصرة.